محمد حسين الذهبي

562

التفسير والمفسرون

المفسرين « إنه ميزان بلسان وكفتين كأطباق السماوات والأرض ، ولا يعلم ماهيته إلا اللّه » فما ذا بقي من ماهيته بعد لسانه وكفتيه حتى يفوض العلم فيه إلى اللّه ؟ والكلام فيه جرأة على غيب اللّه بغير نص صريح متواتر عن المعصوم ، ولم يرد في الكتاب إلا كلمة ميزان ، وقد عرفت ما يمكننا أن نفهم منها لننتفع بما نعتقد ، وما عدا ذلك فعلمه إلى اللّه سبحانه . وقد قالوا : إن منكر الميزان بالمعنى المعروف لا يكفر ، إذا كان القائل به يحدد له لسانا وكفتين ، مع أن البشر اخترعوا من الموازين ما هو أتقن من ذلك وأضبط وأوفى ببيان الموزون . أفيأبى الحكيم الخبير إلا استعمال ذلك الميزان الخشن الناقص الذي هدى العلم عقول البشر إلى ما هو أدق منه ؟ أيأبى عالم الغيب والشهادة أن يستعمل في وزن المعاني والمعقولات إلا ذلك الميزان الذي اخترعه بعض البشر قبل أن يبلغ بهم العلم ما بلغ بأهل العصر الحاضر وما سيبلغ بأهل العصور المقبلة ؟ على أن جميع ما اخترع البشر وما يخترعون مهما دق ولطف ، إنما هو معيار الأثقال الجسمانية والأوزان المحسوسة ، وهلا يكون الأليق بالمقام الإلهى أن يكون ميزان المعاني المعقولة لديه أسمى وأعلى من أن يكون على نمط ما يستعمله البشر ، مهما ارتقت المعارف وسمت بهم العلوم ؟ وهل يليق بمن يخاف مقام ربه أن يجرؤ على القول بوجوب الاعتقاد بأن الميزان الذي يزن اللّه به الأعمال يوم القيامة هو الميزان الذي تستعمله القبائل ، التي لم تزل في مهد الإنسانية الأولى ؟ . . ميزان ضعفاء العقول قصار الأنظار ، الذين لا يعرفون قيمة للإيمان بالغيب ، ولا لحياة العقل من اللّه ، وإطراقه عن أن ينظر إلى ما تشامخ من غيوب اللّه تعالى علمه ، وتعاظمت قدرته ) . ( عليك أيها المؤمن المطمئن إلى ما يخبر اللّه به أن توقن أن اللّه يزن الأعمال . ويميز لكل عمل مقداره ، ولا تسل كيف يزن ، ولا كيف يقدر ، فهو أعلم بغيبه ، واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون « 1 » ) اه .

--> ( 1 ) تفسير جزء عم ص 147